أحمد بن عميرة المخزومي
139
تاريخ ميورقه
قصة الجبل / 49 / هذا الجبل « 1 » يمنع من سكنه ، وله من الجوانب الوعرة ما حصّنه ، وفيه من الخصب والفواكه ما طيبه وحسّنه ، وحين غلب الرّوم على الجزيرة سنة ثمان وخمس مائة ( 508 ه ) أنجى أهله من عدوانهم ، وعصم من أوى إليه من طوفانهم « 2 » . فلمّا تمّ على البلد ما تمّ ، وخصّ الرّزء باليوم الأشنع والخطب الأفظع وعمّ ، نجا إليه الفلّ وهم ألوف ، ورجوا أن يشمخ بأنفه الشامخ منهم أنوف « 3 » ، فأنجدهم حين استنجدوا ، واحتضنهم كأنه حضن وهم قد أنجدوا ، وأصبحت فجاجه وهي بهم قد غصّت ، وطاروا إليه وأجنحتهم من القوت قد قصّت « 4 » . فجمعهم ابن شيري وكتبهم ، وانتقى الأنجاد وانتخبهم ، وبلغ عددهم عنده في بدء الأمر ستة عشر ألف راجل ، بين أصلي وواصل .
--> ( 1 ) جاء في وصف جزيرة ميورقة عند الزهري : " وفي وسطها ( جزيرة ميورقة ) جبل يهبط منه نهر يشق هذه الجزيرة ويسقي جميع أرضها ، ويشقّ فضله على مدينة ميورقة " . الزهري ، الجغرافية ، ص 129 . ( 2 ) كانت جزيرة ميورقة في ذلك التاريخ تحت حكم مبشر بن سليمان ، حيث تعرضت لأول غزو نصراني منذ فتحها ، وهو الغزو الذي اتحدت فيه جمهوريتا بيزة وجنوة وإمارة برشلونة . وضرب الغزاة على مدينة ميورقة حصارا شديدا ، وقاسى المسلمون أهوالا من الجوع والحرمان ، ولجأت منهم إلى الجبال المنيعة جموع غفيرة . وتم اقتحام المدينة في أواخر سنة 508 ه / 1116 م وعاث فيها النصارى تخريبا ونهبا وسلبا . وكان في تلك الأثناء قد تلقى الأمير المرابطي علي بن يوسف على يد البحار عبد اللّه بن ميمون صريخ مبشر بن سليمان قبيل وفاته ، فلبت القوات المرابطية نداء الجهاد وحررت الجزيرة من يد النصارى في أواخر 509 ه . ابن الكردبوس ، الاكتفا في أخبار الخلفا ، ص 122 وما بعدها . ابن خلدون ، العبر ، مج 4 ، ص 198 . الحميري ، الروض المعطار ، ص 567 . ( 3 ) استعارة مكنية شبه فيها المؤلف الجبل الشاهق الطويل بالإنسان حين يرفع أنفه عزا وتكبرا وترفعا . ( 4 ) استعارة مكنية شبه فيها المؤلف الميورقيين الفارين من النصارى بالطيور .